الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

229

القرآن نهج و حضارة

لولاها لم يكن بحيث هو كأنما وضع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين ، إذ تراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة ، وتأليفها ثم إلى تأليف هذا النظم ، فمن هنا تعلق بعضه على بعض ، وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة هي صفة إعجازه في جملة التركيب كما عرفت » . « 1 » والقرآن باعتباره رسالة إلى العالم ، ويحمل برنامجا إلهيا متكاملا إلى الناس ، فيه كل ما يحتاجونه إلى يوم يبعثون ، فلا بد أن تكون هناك لغة معبرة كي تتسع هذه المفاهيم والرؤى القرآنية . وقد امتاز القرآن في مفرداته وتراكيبه بإيصال المعنى إلى ذهن الإنسان بأقل قدر من التفكير ، وبدون جهد وعناء ، وبتصوير فني ، وحس مرهف ، وبإيجاز ، وحذف للزوائد والفضول ، والاستعارات بمعاني كبيرة وكثيرة وألفاظ قليلة . فإليك أمثلة على ذلك : فمن آياته سبحانه وتعالى في وصف خمر أهل الجنة قوله تعالى : لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ « 2 » أي لا يحصل لهم منها صداع ولا ذهاب عقل كلمتان فقط جمعتا كل عيوب وسلبيات خمر أهل الدنيا . وقوله تعالى في ذكر فاكهة أهل الجنة : لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ « 3 » كلمتان أيضا جمعتا كل المواصفات وحملت معها كل المعاني دون إطناب أو تطويل ويعني أنها لا مقطوعة في زمن معين ولا ممنوعة بثمن .

--> ( 1 ) تاريخ العرب ( ج 2 ) ص 62 ( 2 ) سورة الواقعة آية 19 ( 3 ) سورة الواقعة آية 33